فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

السوء بجهالة ) * وفيه سؤالان : أحدهما : أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا ، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة ، فعلى هذا : الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم إلى التوبة ، والسؤال الثاني : أن كلمة " إنما " للحصر ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة ، وذلك بالاجماع باطل . والجواب عن السؤال الأول : أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها . والجواب عن السؤال الثاني : أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية ، وإذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم ، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة ، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى . وإذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة . الأول : قال المفسرون : كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة ، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام : * ( أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) * ( يوسف : 33 ( وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته : * ( هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ) * ( يوسف : 89 ) وقال تعالى : * ( يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) * ( هود : 46 ) وقال تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا : أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) * ( البقرة : 67 ) وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل : يا جاهل لم فعلت كذا وكذا ، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية ، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له ، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا ، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الانسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك . والوجه الثاني : في تفسير الجهالة : أن يأتي الانسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه ، وقد علمنا أن الانسان إذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات ، فإنه يصح أن يقال على سبيل المجاز : انه جاهل بفعله . والوجه الثالث : أن يكون المراد منه أن يأتي الانسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية ، فإنه على هذا التقدير يستحق العقاب ، ولهذا